ابن تيميه

67

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

أسلموا وطلبوا من النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن يمتعهم باللات حولا ، فامتنع من ذلك وهدمها ، وأمر ببناء المسجد موضعها ، واستعمل عليهم عثمان بن أبي العاص الثقفي ، وهذا معروف عند أهل العلم . والمقصود أنهم كانوا يسمّون السفر إلى مثل ذلك حجّا ، ويقولون : إن بيت اللات يحج كما تحج الكعبة ، وكانوا يحجّون إلى العزّى وكانت عند عرفات ، ويحجّون إلى مناة الثالثة الأخرى ، وهي حذو قديد ، فكان لكل مدينة من مدائن الحجاز وثن يحجون إليه ، فاللات بالطائف ، والعزّى عند مكة ، ومناة لأهل المدينة ، كانوا يهلون لها ، وهؤلاء الذين يحجّون إلى القبور يقصدون ما يقصده المشركون ، الذين يقصدون بعبادة المخلوق ما يقصد العابدون للّه . منهم من قصده قضاء حاجته وإجابة سؤاله . يقول : هؤلاء أقرب إلى اللّه مني ؛ فأنا أتوسّل بهم ، فهم يتوسطون لي في قضاء حاجتي ، كما يتوسط خواص الملك لمن يكون بعيدا عنهم ، وقد ينذر لهم ، أو يأتي بقربان بلا نذر ، ويتقربون إليهم بما ينذرونه ويهدونه إلى قبورهم ، كما يتقرب المسلمون بما يتقربون به إلى اللّه من الصدقات والضحايا ، وكما يهدون إلى مكة أنواع الهدي . ومنهم من يجعل لصاحب القبر نصيبا من ماله أو بعض ماله ، أو يجعل ولده له كما كان المشركون يفعلون بآلهتهم . ومنهم من يسيب لهم السوائب ، فلا يذبح ولا يركب ما يسيب لهم من بقر وغيرها ، كما كان المشركون يسيبون لطواغيتهم ، فهذا صنف . وصنف ثان يحجّون إلى قبورهم لما عندهم من المحبة للميت والشوق إليه ، أو التعظيم والخضوع له ، فيجعلون السفر إلى قبره أو إلى صورته الممثّلة تقوم مقام السفر إلى نفسه لو كان حيا ، ويجدون بذلك أنسا في قلوبهم وطمأنينة وراحة ، كما يحصل لكثير من المحبين إذا رأى قبر محبوبه ، وكما يحصل للقريب والصديق إذا رأى قبر قريبه وصديقه ، لكن ذاك حبّ وتعظيم ديني ، فهو أعظم تأثيرا في النفوس ، ولهذا يجد كل قوم عند قبر من يحبّونه ويعظّمونه ما لا يجدونه عند قبر غيره ، وإن كان أفضل . وكثير من أتباع المشايخ والأئمة يجدون عند قبر شيخه وإمامه ما لا يجده عند قبور الأنبياء ؛ لا نبينا ولا غيره . وذلك لأن الوجد الذي يجدونه ليس سببه نفس فضيلة المزور ، بل سببه ما قام بنفوسهم من حبّه وتعظيمه ، وإن كان هو لا يستحقّ ذلك ، بل قد يكون المزور كافرا مشركا ، أو كتابيا ، والمحبّون له المعظّمون يجدون مثل ذلك . وهذا كما أن عبّاد الأوثان الذين جعلوهم أندادا للّه يحبونهم كحبّ اللّه ؛ يجدون عند الأوثان مثل ذلك . وكذلك عبّاد العجل ؛ قال اللّه تعالى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [ البقرة : 93 ] أي : حبّ العجل ، هذا قول الأكثرين . وموسى حرّقه ثم نسفه ، فإنه كان قد صار